من إنديانابوليس إلى إيمولا.. أخطر حلبات الفورمولا 1 عبر التاريخ
أعاد الظهور الأول لحلبة «مادرينغ» في العاصمة الإسبانية مدريد إلى الأذهان واحدًا من أكثر الجوانب إثارة للقلق في عالم الفورمولا 1، بعدما كشفت الأيام الأولى لجائزة إسبانيا الكبرى عن تحديات كبيرة فرضها المضمار الجديد على السائقين.
وقبل انطلاق السباق، تحدث عدد من سائقي الفورمولا 1 عن صعوبة الحلبة وسرعتها وقرب الحواجز من المسار، وهي مخاوف سرعان ما ظهرت على أرض الواقع مع سلسلة من الحوادث في مختلف الفئات.
ففي الفورمولا 1، تعرض أرفيد ليندبلاد لحادث عند المنعطف 13 خلال التجارب الحرة، بينما اصطدم كل من لويس هاميلتون وأولي بيرمان بالحواجز خلال التجارب الحرة الثالثة. ورغم قوة بعض هذه الحوادث، خرج جميع السائقين دون إصابات خطيرة.
ولم تقتصر الحوادث على الفورمولا 1، إذ تعرض سائق الفورمولا 2 التايلاندي تاسانابول إنثرافوفاساك لحادث قوي عند المنعطف 19، بعدما فقد السيطرة على سيارته واصطدم بالحواجز، ما أدى إلى اشتعال النيران في السيارة، لكنه تمكن من الخروج منها دون إصابات.
ومع أن «مادرينغ» لم تشهد أي حادث مميت، فإن تاريخ الفورمولا 1 يضم حلبات كانت أكثر قسوة، وشهد بعضها عددًا كبيرًا من الوفيات قبل أن تتطور معايير السلامة في رياضة السيارات.
إنديانابوليس.. 7 وفيات في الفورمولا 1
تتصدر حلبة إنديانابوليس موتور سبيدواي قائمة أكثر الحلبات تسجيلًا للوفيات في تاريخ بطولة العالم للفورمولا 1، برصيد 7 سائقين.
وخلال خمسينيات القرن الماضي، كان سباق إنديانابوليس 500 جزءًا من بطولة العالم، وأقيم على مسار بيضاوي عالي السرعة، جعل هامش الخطأ محدودًا للغاية، خصوصًا في ظل غياب وسائل الأمان الحديثة.
وتوفي على الحلبة خلال تلك الحقبة سبعة سائقين شاركوا في سباقات بطولة العالم، وهم تشيت ميلر عام 1953، وماني أيولو وبيل فوكوفيتش عام 1955، وكيث أندروز عام 1957، وبات أوكونور عام 1958، وجيري أونسر وبوب كورتنر عام 1959.
وبشكل عام، شهدت إنديانابوليس وفاة عدد أكبر بكثير من السائقين في مختلف فئات رياضة السيارات، لكن سبع حالات منها ارتبطت ببطولة العالم للفورمولا 1.
نوربورغرينغ نوردشلايفه.. «الجحيم الأخضر»
إذا كانت هناك حلبة ارتبط اسمها تاريخيًا بالخطر، فهي نوربورغرينغ نوردشلايفه في ألمانيا، التي أطلق عليها بطل العالم السابق جاكي ستيوارت لقب «الجحيم الأخضر».
وشهدت الحلبة وفاة خمسة سائقين ضمن بطولة العالم للفورمولا 1، وهم أونوفري ماريمون عام 1954، وبيتر كولينز عام 1958، وكاريل غودين دي بوفورت عام 1964، وجون تايلور عام 1966، وغيرهارد ميتر عام 1969.
وكانت نوردشلايفه تتميز بمسار طويل وضيق ومتعرج وسط غابات منطقة إيفل، مع تغيرات كبيرة في الارتفاع وسرعات مرتفعة للغاية، إلى جانب محدودية مناطق الأمان مقارنة بالمعايير الحديثة.
وبعد 21 سباقًا ضمن جائزة ألمانيا الكبرى على الحلبة، أصبحت المخاطر المرتبطة بها سببًا رئيسيًا في استبعادها من استضافة سباقات الفورمولا 1، رغم استمرار استخدامها في العديد من سباقات السيارات الأخرى.
مونزا.. السرعة التي تحولت إلى مأساة
تعد مونزا واحدة من أكثر الحلبات شهرة في تاريخ الفورمولا 1، كما أنها من أسرع الحلبات في روزنامة البطولة، لكن سرعتها العالية ارتبطت أيضًا بحوادث قاتلة في الماضي.
وشهدت مونزا وفاة ثلاثة سائقين ضمن بطولة العالم للفورمولا 1: فولفغانغ فون تريبس عام 1961، ويوخن ريندت عام 1970، وروني بيترسون عام 1978.
وكان حادث فون تريبس من أكثر الحوادث مأساوية في تاريخ الحلبة، إذ اصطدمت سيارته بالحواجز ثم اندفعت باتجاه منطقة المتفرجين، ما أدى إلى وفاة 15 شخصًا إلى جانب السائق.
وقد تغيرت مونزا بشكل كبير منذ تلك الحقبة، مع إدخال العديد من إجراءات السلامة التي جعلت الحلبة أكثر أمانًا للسائقين والمتفرجين.
إيمولا.. يومان أسودان في تاريخ الفورمولا 1
وعندما يأتي الحديث عن أخطر أيام الفورمولا 1، لا يمكن تجاهل حلبة إيمولا الإيطالية، التي شهدت واحدة من أكثر عطلات نهاية الأسبوع مأساوية في تاريخ البطولة.
فخلال جائزة سان مارينو الكبرى عام 1994، توفي رولاند راتزنبرغر خلال التجارب التأهيلية، قبل أن يفارق الأسطورة البرازيلية آيرتون سينا الحياة في اليوم التالي إثر حادث مروع عند منعطف تامبوريلو.
وكان راتزنبرغر قد فقد السيطرة على سيارته واصطدم بالحواجز بسرعة عالية، بينما اصطدمت سيارة سينا بالحائط عند تامبوريلو خلال السباق.
وأدت تلك المأساة إلى تغييرات واسعة في معايير السلامة داخل الفورمولا 1، كما أعيد تصميم عدد من أجزاء حلبة إيمولا، ومن بينها منعطف تامبوريلو، بهدف تقليل السرعات وتوفير مساحات أمان أكبر.
حلبات أخرى دفعت ثمن السرعة
لم تقتصر الوفيات في تاريخ الفورمولا 1 على إنديانابوليس ونوربورغرينغ ومونزا وإيمولا، إذ شهدت حلبات أخرى حوادث قاتلة خلال العقود الأولى للبطولة.
وسجلت حلبات مثل زاندفورت في هولندا، وواتكنز غلين في الولايات المتحدة، وسبا فرانكورشان في بلجيكا، وكايلامي في جنوب أفريقيا، حالتي وفاة مرتبطة ببطولة العالم للفورمولا 1 لكل منها. كما شهدت حلبة مودينا الإيطالية ثلاث وفيات.
وكانت طبيعة تلك الحلبات في الماضي مختلفة تمامًا عن المعايير الحالية؛ فمساحات الأمان كانت محدودة، والحواجز أقرب إلى المسار، والسيارات أقل قدرة على حماية السائقين، فضلًا عن افتقار الحلبات إلى العديد من أنظمة السلامة التي أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من الفورمولا 1.
«مادرينغ» بين الخطر وتطور معايير السلامة
وبالعودة إلى حلبة «مادرينغ»، فإن الحوادث التي شهدتها خلال ظهورها الأول في الفورمولا 1 أظهرت بالفعل مدى صعوبة المضمار، خصوصًا مع قرب الحواجز والسرعات العالية في بعض أجزائه.
لكن الفارق الكبير بين حلبة مدريد الجديدة والحلبات التاريخية الأكثر خطورة هو مستوى السلامة الذي وصلت إليه الفورمولا 1 في العصر الحديث. فقد خرج السائقون من الحوادث القوية التي شهدتها «مادرينغ» دون إصابات خطيرة، وهو ما يعكس التطور الهائل الذي شهدته السيارات والحلبات ومعدات الحماية خلال العقود الماضية.
ومع ذلك، فإن التجربة الأولى لم تخلُ من التحذيرات؛ فقد أثارت الحلبة انتقادات بسبب تصميمها وصعوبة التجاوز، بينما أكد عدد من السائقين أن بعض التعديلات قد تكون ضرورية لتحسين السباقات في السنوات المقبلة.


