موسم الانهيار الكامل.. كيف فقد ريال مدريد هيبته محليًا وأوروبيًا؟

موسم الانهيار الكامل.. كيف فقد ريال مدريد هيبته محليًا وأوروبيًا؟

ودّع ريال مدريد موسم 2025-2026 بطريقة صادمة، بعدما أنهى العام الكروي دون أي لقب للموسم الثاني تواليًا، عقب خسارته الحاسمة أمام غريمه التقليدي برشلونة بنتيجة 2-0 في الكلاسيكو، وهي النتيجة التي منحت الفريق الكتالوني رسميًا لقب الدوري الإسباني التاسع والعشرين في تاريخه.

ولم تكن خسارة الليغا سوى الفصل الأخير في موسم كارثي عاشه النادي الملكي، بعدما فقد أيضًا لقب كأس ملك إسبانيا وكأس السوبر، إلى جانب خروجه من ربع نهائي دوري أبطال أوروبا أمام بايرن ميونخ.

لكن الأزمة في مدريد لم تكن مرتبطة بالنتائج فقط، بل بصورة فريق بدا فاقدًا للهوية، مضطربًا فنيًا، وممزقًا ذهنيًا داخل وخارج الملعب.


انهيار مشروع تشابي ألونسو

دخل ريال مدريد الموسم الجديد بعد نهاية حقبة كارلو أنشيلوتي، وسط آمال كبيرة ببداية مشروع جديد بقيادة تشابي ألونسو، الذي وصل إلى سانتياغو برنابيو محاطًا بالكثير من التوقعات بعد نجاحه اللافت مع باير ليفركوزن.


ورغم البداية الجيدة نسبيًا، فإن المشروع انهار سريعًا مع توالي السقوط في المباريات الكبرى، خصوصًا أمام برشلونة ومانشستر سيتي وليفربول وأتلتيكو مدريد.

وكانت خسارة كأس السوبر أمام برشلونة نقطة التحول الأخطر، بعدما ظهر ريال مدريد مفككًا وعاجزًا عن مجاراة خصمه، ليتحول المشروع سريعًا من حلم جماهيري إلى تجربة قصيرة انتهت بالإقالة.

وبعد رحيل ألونسو، استعانت الإدارة بـألفارو أربيلوا كحل مؤقت، لكن الفوضى استمرت، وتحولت تغييرات المدربين إلى دليل واضح على فقدان الاستقرار داخل النادي.



إدارة مرتبكة ومشروع بلا هوية

رغم التعاقدات الضخمة، بدا ريال مدريد وكأنه يتحرك دون رؤية واضحة.

فالإدارة بقيادة فلورنتينو بيريز ركزت على جمع النجوم أكثر من بناء منظومة متوازنة قادرة على الصمود تكتيكيًا وذهنيًا.

كما كشف التخلي السريع عن تشابي ألونسو غياب الصبر على المشاريع طويلة المدى، خاصة مع مدرب شاب كان يحتاج إلى وقت أكبر لفرض فلسفته.

وبدا النادي مترددًا بين مشروع جماعي قائم على التنظيم، وبين استمرار ثقافة “النجم فوق المنظومة”.



النجوم أكبر من سلطة المدرب

واحدة من أبرز أزمات ريال مدريد هذا الموسم كانت تراجع سلطة الجهاز الفني أمام نفوذ بعض النجوم.

وظهرت الأزمة بوضوح خلال أول كلاسيكو لتشابي ألونسو، عندما أبدى فينيسيوس جونيور غضبًا علنيًا بعد استبداله، في مشهد أثار جدلًا واسعًا داخل إسبانيا.




وتحدثت تقارير عديدة لاحقًا عن توتر داخل غرفة الملابس، وشعور بعض اللاعبين بأنهم أكبر من الالتزام الكامل بالأدوار التكتيكية، وهو ما ساهم تدريجيًا في فقدان المدرب السيطرة على المجموعة.


غياب الشخصية القيادية

على مدار تاريخ ريال مدريد، ارتبط نجاح الفريق دائمًا بوجود مدرب يمتلك الهيبة والكاريزما والقدرة على احتواء النجوم.

من زين الدين زيدان إلى أنشيلوتي، نجح النادي عندما كان المدرب قادرًا على فرض الاحترام داخل غرفة الملابس.


لكن هذا العنصر غاب تمامًا هذا الموسم، حيث افتقد الفريق لشخصية تدريبية تجمع بين الخبرة والصرامة والقدرة على إدارة الضغوط داخل نادٍ بحجم ريال مدريد.


فوضى داخلية وانهيار ذهني

الأزمة لم تكن تكتيكية فقط، بل نفسية وسلوكية أيضًا.

فالتقارير المتكررة عن الخلافات بين اللاعبين والعقوبات الداخلية والتوترات داخل غرفة الملابس، كشفت حجم الفوضى التي عاشها الفريق طوال الموسم.

وانعكس ذلك بوضوح على أرض الملعب، حيث بدا ريال مدريد هشًا نفسيًا في المواجهات الكبرى، وسريع الانهيار تحت الضغط.



فريق من النجوم.. بلا منظومة

ورغم امتلاك الفريق أسماء هجومية ضخمة مثل كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور، فإن ريال مدريد نادرًا ما قدم كرة جماعية مقنعة.

وفي أغلب المباريات الكبرى، اعتمد الفريق على الحلول الفردية أو على تألق الحارس تيبو كورتوا لإنقاذه من الانهيار.

أما من الناحية الجماعية، فظهر الفريق عاجزًا عن التحكم بإيقاع اللعب أو فرض شخصيته أمام الفرق المنظمة.



أزمة خط الوسط بعد كروس ومودريتش

شكّل رحيل توني كروس وتراجع دور لوكا مودريتش ضربة قاسية لخط وسط ريال مدريد.

وكان تشابي ألونسو يدرك مبكرًا حاجة الفريق إلى لاعب وسط قادر على تنظيم اللعب والخروج بالكرة تحت الضغط، لذلك طالب بالتعاقد مع مارتن زوبيميندي، لكن الإدارة لم تتحرك.

والنتيجة كانت خط وسط يفتقد للهدوء والسيطرة، ويعاني بشدة في إدارة التحولات الدفاعية والهجومية.



مبابي.. نجم أربك التوازن

ورغم الأرقام الكبيرة التي حققها كيليان مبابي، فإن تأثيره داخل المنظومة بدا أكثر تعقيدًا من مجرد أهداف.

فطريقة لعبه تداخلت بشكل واضح مع أدوار فينيسيوس جونيور، بينما فشل الفريق في إيجاد التوازن المثالي بين النجمين.

كما تحدثت تقارير عديدة عن تأثير النفوذ والنجومية داخل غرفة الملابس، ما خلق حساسيات انعكست على الانسجام الجماعي.

وبدا ريال مدريد أحيانًا وكأنه مجموعة من النجوم أكثر من كونه فريقًا متكاملًا.




تراجع الحافز وغياب الروح

ظهر عدد من لاعبي ريال مدريد هذا الموسم بصورة باهتة، وكأن الفريق فقد الجوع التنافسي الذي ميّزه لسنوات طويلة.

ولم ينجح لاعبون مثل أوريلين تشواميني وإدواردو كامافينغا في لعب دور القيادة داخل الملعب، بينما افتقد الفريق للاعبين القادرين على تغيير نسق المباريات ذهنيًا وشخصيًا.



تهميش الأكاديمية وفقدان الهوية

في الوقت الذي بنت فيه أندية أوروبية كثيرة مشاريعها على المواهب الشابة، بدا ريال مدريد بعيدًا عن الاستفادة الحقيقية من أكاديمية “لا فابريكا”.

واعتمد النادي بشكل شبه كامل على التعاقدات الضخمة، بينما غابت الأسماء الشابة القادرة على منح الفريق الروح والانتماء والطاقة.

ومع غياب التوازن بين النجوم وأبناء النادي، فقد ريال مدريد جزءًا كبيرًا من هويته التاريخية.



أزمة تتجاوز خسارة البطولات

ما حدث هذا الموسم في ريال مدريد لا يبدو مجرد تعثر عابر، بل مؤشرًا على أزمة أعمق تتعلق بالهوية والرؤية وإدارة المشروع الرياضي.

فالفريق الذي اعتاد فرض شخصيته على أوروبا، ظهر هذا الموسم مرتبكًا ومفككًا وعاجزًا عن التعامل مع اللحظات الكبرى.

وربما يكون أخطر ما خسره ريال مدريد هذا الموسم ليس الألقاب فقط، بل هيبته كفريق يعرف دائمًا كيف ينهض، وكيف يدير النجوم، وكيف يحول الأزمات إلى بطولات.

ولهذا، فإن صيف 2026 قد يكون واحدًا من أخطر وأهم الفصول في تاريخ النادي الحديث، لأنه لن يحدد فقط شكل الفريق القادم، بل مستقبل المشروع بأكمله لسنوات طويلة قادمة.